الثلاثاء، 8 ديسمبر 2020


 

اين الثورة؟.. يا صاحب السعادة

 أين الثورة؟.. يا صاحب السعادة


وائل الكردي


اسمع يا سيدي إلى الحوار التالي مع البحر:

(وتدخل أنت من لا باب بين اللحم والعظم

تضيع الخبز والخباز تسخر من

صراخ الرعب واللطم

فأعلى عاصم للطفل كتف أبيه

أعلى عاصم لأبيه كتف أخيه في المنفى

فهل لبن على صوم يرطب حلمة الأم؟)

.. لله درك يا (عبد القادر الكتيابي) في حوارك المكلوم مع بحرنا الأم والوطن المجروح..

وأنت با صاحب السعادة يا من صرت في الأفق تحتل كرسي التكليف لا التشريف، السؤال لك أنت.. أين الثورة؟..

القانون بكل مواده وبنوده الذي قيد به البشر رقابهم وحركاتهم وسكناتهم في المجتمع وأرادوا أن تكون عليه دولتهم لهو خير عظيم وشأن يبلغ احترامه درجة تقرب من حد التقديس، وإننا جميعاً شعب وأفراد لدافعون به ومدافعون عنه.. ولكن القانون كما أنه يجلب العدالة والحقوق إلا أن ميزانه عصي ثقيل لا يمضي بسيفه سريعاً على رقاب من يجب أن تؤخذ منهم الحقوق ولربما ضاعت في طول اجراءاته اطراف من تلك العدالة المنشودة.. إذاً، يا صاحب السعادة، أما كان الأجدر أن تأخذ بأسباب (الشرعية الثورية) في بواكير الثورة وتضرب مواطن الفساد بيد من الجماهير العريضة الواقفة معك ووراءك، وتميط اللثام عن جحور أذيال الدولة العميقة لتخرجهم زمراً إلى أقفاص العدالة الحديدية.. أما كان الأجدر أن تستغل الشرعية الثورية لتمسك بمقاليد المؤسسات الكبيرة المسيطرة على أقوات الشعب وتضعها رهن الإرادة العامة للدولة فتمنع بذلك سياسات اللعب باقتصاد البلاد وطغيان مراكز القوى الاقتصادية الرأسمالية وتهدم دولة السماسرة وتجار الرقيق المالي والعقاري فلم تعد السمسرة استثناءً في مجتمعنا بل عود أعوج عميق الجذور يضرب بأشواكه وجوه شيب وشباب هذا الشعب.. أما أمرك الله أن لا تجعلها دولة بين الأغنياء فتذر عموم الناس ممن تحسبهم أغنياء ولكنهم لا يملكون إلا التعفف ولا يسألون بعضهم إلحافاً.. يقولون في الأمثال (اطرق الحديد وهو ساخن) وعلى قياسها نقول (إنجز العدل سريعأ قبل أن تضع القيود والقوانين) فإن الله قد أمر إن حكمنا بين الناس أن نحكم بالعدل، فالعدل يأتي أولاً ثم القانون، إن سألت (كيف تكون عدالة قبل القانون؟) لقلنا لك أن الأهم في العدالة هو سرعة استيفائها في أقصر وقت ممكن، فكما أن الشاة لا يضيرها سلخها بعد ذبحها فكذلك لا تفيد الحقوق أصحابها بعد موتهم.. وهكذا كانت الشرعية الثورية تخولك تحقيق العدالة قبل وضع القوانين وستجد أثر ذلك فوراً في مرآة الجماهير إن خيراً فخير وإن شراً فسخط وبغض واستياء. إن القوانين إذا ما وضعت أمكن أن يستغل حبالها الطويلة أصحاب الدولة العميقة والفساد القديم تماماً كما تستغلها أنت فلا تفلح حينئذ ثورتك.. لذا كان عليك أن تعمل بالشرعية الثورية قبل الوثيقة الدستورية، وها أنت رضيت أن تدقك المطرقة التي فوق رأسك لتدق أنت بدورك أفراد شعبك تحت قدمك بغير إرادة منك ولا اختيار.. 

لم يخرج الثوار فقط لأجل الخبز والوقود.. لقد خرج الثوار من جميع أبناء البلاد لأجل العدالة وأن العدالة الأولى في القصاص من المجرمين مهما علت مكانتهم فلو كنت قد فعلت لصبروا معك على طوابير الخبز وأزمات الوقود.. ولكن هل فعلت؟.. ولذلك نسألك يا صاحب السعادة (أين الثورة؟).. وكيف لا نسألك يا صاحب السعادة وقد صار القاتل سافك دماء وطنه ومشعل الحروب وجرائم الإبادة وناهب الثروات القومية وصنيعة الطغيان الذي ثار عليه الشعب سيداً عليك وعلينا، ولم يكن له ذلك إلا بقوة ما في يديه من سلاح فتاك عسير الصد أمامه وليس وراء أكمته من شيء بعد لا علم ولا دين ولا قيم.. فما يجري إذا صار المجرم سيداً في قومه وأي ثورة تكون وأي غدٍ مشرق يرتجى.. 

وفي الأمس منذ أعوام خلت، أذكر كيف اشتعل كل الشعب حماساً بمؤيديه للحاكم المخلوع ومعارضيه وحتى من كانوا على الحياد يد بيد وقدم بقدم عندما اعلنت الجنائية الدولية عن اصدار أمر بالقبض عليه لمحاكمته دولياً على جرائم حرب، حينها ثار الشعب كله لكرامة البلاد وأن الرجل فينا إن كان قد أجرم فنحن من نأخذ الحق منه وأننا لا نسمح بمد يد أجنبية داخل البلاد لتأخذ فرداً منها.. لقد فار تنور البلاد ليس دفاعاً عن شخص الحاكم ولكن دفاعاً عن كرامة البلاد، وعلق الناس صور هذا الحاكم الذي صار رمزاً رغم طغيانه وظلمه على كل الدور والميادين والشوارع ونوافذ البيوت والسيارات.. ولكن ما فعله الحاكم وزمرته بعد ذلك كان صدمة للشعب أكبر كثيراً من ازماتهم حينها وأكبر حتى من كل مشاعر الوطنية والكرامة التي تدفقت وقت اصدار حكم الجنائية الدولية فتحول الأمر إلى النقيض تماماً وتعالت أصوات المطالبة للجنائية بأخذه وأخذ كل من له به صلة هو وحزبه الآثم، لقد ضاعت الفرصة ولم تأتي ثانية .. وكذلك كانت نفس الصدمة يعيشها الشعب اليوم حزناً وأسىً على ثورته المهدرة، فلقد فار تنور الشعب حماسة وتفاؤلاً كبيراً بمقدمك الكريم وعلق الناس عليك آمال الخلاص واستعدوا جميعاً للذود عنك وكفايتك المغرضين المتربصين، ولكن ذات خيبة الأمل والإحباط وانطفاء الحماسة المتقدة قد تكرر الآن بما لا يخفى على أحد.. فإن كنت قد عجزت واسقطت آمال شعبك في يديه فافعل كما فعل (جمال عبد الناصر) في مصر بعد نكسة 1967م بأن طلع على شاشات التلفزيون وأعلن اعتزاله وتنحيه تماماً.. وإن كنت ترى نفسك أنك مازلت قادراً فاخرج أيضاً إلى الجماهير عبر الشاشات وأعلن قدرتك تلك على هيئة خطط وبرامج واضحة، فلقد ضرب هذا الوطن بظهره في الجدار الأخير وما بقي له إلا أن يرتد قافلاً فيطيح بكل شيء أو يطاح به .. واعلم يا صاحب السعادة أن الأمر لن يستقيم مطلقاً إلا إذا أعتلى السدة رجال وطنيون مخلصون أنقياء خبراء علماء ولا شبهة عليهم بجرم أو سوء فعال، وأيضاً لم يبلغوا مكانتهم بقوة السلاح أو حتى بصمت الشرفاء اتقاءً لشرهم بل تأتي بهم فقط ارادة الجماهير وموازين العدالة والاستحقاق والشرف.

واعلم كذلك يا صاحب السعادة أنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح ولو قصر الزمن.. أو طال.         


كلمة هو قائلها

 



كلمة هو قائلها..


وائل الكردي


(وكمن خرج لاهث الأنفاس من البحر إلى الشاطئ، فيلتفت إلى المياه الرهيبة ، ويتأمل..

هكذا التفتت روحي إلى الوراء وكانت لا تزال لائذة بالفرار..

لكي تحملق في الطريق الذي لم يدع أبداً إنساناً حياً..)

 .. هذه من مقولات (دانتي اليجيري) في (الكوميديا).

لقد وضع الرجل اصبعه على موطن السر الذي أهلك أصحاب (الجحيم).. والسر يكمن في كلمة (الخروج)، فها قد بلغ الضيق  بشعوب هذا الزمان من خلف الضحك الزائف ولحظات الأنس العابرة حداً كادت تبلغ معه القلوب الحناجر.. فالأمراض والوبائيات حفت المجتمعات من كل جانب ووقف العلم الحديث مكتوف الأيدي أمام الملايين الذين تُهدر أرواحهم كل بضع يوم وليلة، بل ولعل اليأس ذهب ببعضهم أن قالوا أن هذا العلم الحديث هو نفسه القاتل وأننا لو كنا نحيا حياة الغاب بين الأشجار والضواري أو كنا نحيا على رمال الصحاري التي لا تصبح نجوم السماء في ليلها سراً يضني البحث عنها عيون الرجال وسط كثافة العمران وتطاول البنيان، لكان هذا خيراً لبني الإنسان..

وليست الأمراض وحدها ما دفع الإنسان المعاصر إلى الضيق بكل شيء حوله وسيادة لغة اليأس، بل لعلها أهون المصائب التي كسبها الانسان لنفسه بيده.. إذ هناك جريمة إبني آدم القديمة تعود من جديد بعد أن نالت حظها من التطور الكبير الذي طال كل شيء وصار البون شاسع بين ما كانت عليه أيام (قابيل) وما صارت إليه في حاضرنا حيث لم يعد فلاناً يقتل فلاناً لكي يسبي ماله وما عنده من شيء وفقط، إنما صارت شعوباً تقتل شعوباً وحكومات تذبح مواطنيها قهراً وظلماً وفرق مرتزقة امتهنت إبادة العشائر والقبائل ومحو آثارها لأجل الذهب وكنوز الأرض، ولم تعد حتى الشعرة تهتز لدى القاتل أو يرتجف منه جفن لحظة اشفاق أو ندم عابرة، ولم نعد نحن نعبأ بمن قتل ومن سيقتل من بعد بقدر ما نعتبرها محض قصص وحكايات.. 

وهناك الأدهى والأمر في مصائب هذا الزمان، (النقود) التي باتت هي السيد في كل شيء وعلى كل شيء وعامل الاعتبار الأوحد في تقدير الناس واحترامهم لبعضهم حتى كادت تكون هي القيمة العليا في الحياة وليس غيرها.. لقد صار الناس في زماننا يعبدون النقود وأوراق البنكنوت دون طقوس أو شعائر حتى اصبحت هي اليد العليا والإنسان هو السفلى لا يملك حيالها إلا السمع والطاعة والرجاء.. ولو أن الحال هكذا فعلاً، فإن الصوفي المقتول كان حكيماً حينما قال (معبودكم تحت قدمي هاتين) فقتلوه لأنهم لم يفهموه وقتها – أو أنهم أرادوا أن لا يفهموه -  أنه يقصد النقود، ولكن الآن ظهرت الحقيقة بجلاء.. كل هذا الضيق جعل أجيال يتدافعون اليوم بوعي أو بغير وعي نحو المخارج، وقد يقتل بعضهم بعضاً في سبيل الوصول إلى عنق الزجاجة وبلوغ الخلاص (فأنا ومن بعدي الطوفان).. وهناك في بلدان الاغتراب حيث السبب الأكبر للترابط والإخاء وتشديد اللحمة، ولكن تبدل المثل الشهير (أنا وابن عمي على الغريب) ليصبح (أنا والغريب على أخي من لحمي ودمي) فلا رحمة ولا شفقة ولا رعاية لحق أبناء الجلدة الواحدة.. ثم غيرهم هنا ممن اعتقدوا أن الخلاص والمخرج في السحر والشعوذة والرجم بالغيب وأن جلب المصالح حلالاً كانت أو حراماً في السعي وراء الوداعين وقراء الطوالع وخطباء العوالم السفلية ومناجاة الشياطين بالزار والكجور ودفن الأعمال الخبيثة في أرحام الموتى.. وآخرين ظنوا أن الخلاص كائن في عوالم الأحلام والأطياف وليسوا بالغيها إلا بالإغراق في المسكرات والمخدرات ومغيبات الحضور في الواقع المادي الأليم .. ومنهم من تشبث بعقائد (الكارما) وقانون الجذب الكوني وعلوم الطاقة الروحانية يحسب أنه بها يملك أقداره بيديه رغماً عن أي إرادة أخرى غير إرادته هو وحده فلا يفشل قط أمام شيء في الحياة أراده وإنما يفشل كل شيء أمامه ودون مشيئته.. ولكنه طول الأمل بلا فائدة ورمال متحركة خائنة لا يحس بها ابن آدم تحت قدمه إلا وهي تسحبه وتغرقه رويداً رويداً إلى حيث لا قرار ولا نهاية، ولكنها لم تملي عليه أن يختار الوقوف عليها بل هو من سعى إليها كسعي الفراشات نحو الضياء ولكنها تهلك تحت نيران الشموع.. كأن ابن آدم لم يدرك يوما أن باب الخلاص يسير وهو مفتوح بيد خالقه منذ بداية الحياة وإلى منتهاها، وأنه ليس في حاجة إلى كل هذا العناء والسقوط كي يجد برهان الخلاص بين يديه مادام البدء والمنتهى (بكلمة) يترك بها الإنسان التعلق بأسباب الكون إلى التعلق برب الكون.. أليس هو الله القائل (إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين ...) فكذلك كان الخلاص أيضاً كلمة هو قائلها (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ...) فهذا هو الناموس الكوني الوحيد للخلاص قبل الموت ولكي يظل الانسان هو الأعلى دوماً فوق مآسي الحياة.. هكذا بمنتهى البساطة.