فلسفة الخلاص الشعري في دراما (جمعية الشعراء الموتى) ولزوميات (المعري)
د. وائل أحمد خليل الكردي
(جمعية الشعراء الموتى) فيلم الدراما الانسانية من بطولة الممثل البارز الذي اشتهر بالكوميديا الإنسانية (روبين ويليامز) فكان هو المعلم في اكاديمية (ويلتون) الثانوية المحافظة الذي صحح الفكرة عن حقيقة الشعر وعدم جدوى محاكمة الشعراء.. كان ذلك في الستينات من القرن العشرين.. وفي اللحظة التي أمر فيها تلاميذه تمزيق مقدمة كتاب النقد للدكتور (بريتشارد) التي كانت تعد اقدس ما كتب في منهج النقد الشعري لدى الناطقين بالإنجليزية كان هذا اعلان لهم أن كل شيء يمكن تحليله ونقده على هيئة الرسوم البيانية وما فيها من
إحداثيات المحاور الحسابية افقياً ورأسياً إلا الشعر فهو لا يقاس بوصف الأشياء والوقائع من أجل أن يدركها الانسان كما يدرك المنطق والرياضيات، وإنما هو يقاس بما يجعل به الانسان يشعر بالحياة والاشياء والوقائع التي يعيشها ويتفاعل معها، وبما يجعل الانسان يلمس حقيقته الوجدانية فيشعر إلى أي مدى هو موجود في هذه الحياة وأي قيمة تعني هي له.
هناك، كان الاستاذ (كيتنج) يقول عن نفسه أنه القبطان وأن التلاميذ هم أبناء السفينة الذين يجب أن يعيشوا تجارب الشعر والشعراء على متنها.. الأستاذ (كيتنج) كان يؤمن أنه فقط في الأحلام يمكن للمرء أن يكون حراً كفاية، ولذلك عندما كان طالباً في الماضي بأكاديمية (دالتون) فقد أسس مع بعض من زملائه حينها جمعية شبه سرية أسموها (جمعية الشعراء الموتى) وفي ليال معلومة كان يجتمع أعضائها في الكهف الهندي القديم البعيد عن الأكاديمية ليحيوا هناك التجارب الشعرية للشعراء العظام الذين رحلوا قديماً وأيضاً ليمارسوا تجاربهم الشعرية الخاصة، كانوا هناك –على حد تعبير (كيتنج)- يسكبون الكلمات على السنتهم كأنها العسل من أجل أن يمتصوا بها جوهر الحياة.. ثم تلاشى الأمر، إلى أن أحيا تلاميذ الأستاذ (كيتنج) في الحاضر من جديد بعد أن ألهمهم معلمهم كيف ينظرون إلى العالم في كل مرة بنحو مختلف ومن زوايا متعددة وقد فعل هذا مثلاً عندما علهم كيف يمكن أن يقرؤوا (شكسبير) بغير تلك الطريقة المدرسية النمطية المتكلفة التي ارتسمت بنحو تقليدي في أذهانهم..
كل هذا هو ما يمكن أن يعطي دلالة أن (جمعية الشعراء الموتى) كانت دعوة للخلاص بالتخيل الشعري الحر من الإغراق في متطلبات العالم المادية والبهيمية، فلك أن تعيش كل الآمك ومسراتك واحزانك وأمالك بنحو شعوري وجداني خالص في غمرة الخيال الشعري في تجرد تام عن الوقائع والأحداث الفعلية في أيامك والتي تشدك إلى الأرض والتراب بعيداً عن روح الذات.. ولربما كان العمق الحقيقي لهذا النوع من الخلاص موجود عند (أبي العلاء المعري) كأسس في ديوانه الفلسفي (اللزوميات، أو لزوم ما لا يلزم) فيمكن تنسيب أفكار (جمعية الشعراء الموتى) إلى اللزوميات لدى (المعري) كانتساب الفرع إلى الأصل برغم الفارق الزمني والحضاري.. وديوان اللزوميات نفسه لديه أصل كبير في الفلسفة الأبيقورية الإغريقية –نسبة إلى مؤسسها (أبيقوروس)- من ناحية فكرة الخلاص للإنسان وهو على قيد الحياة في الدنيا باكتساب الطمأنينة السلبية –يصطلح لها في اليونانية بكلمة (اتراكسيا)- بفعل المجاهدة الأخلاقية والترقي نفسياً ووجدانياً بتذوق اللذات الروحانية.. وهكذا كانت دعوى (المعري) في لزومياته كأنما يقول لك أنك من أجل أن تعيش الحياة الحقيقية الخالصة فينبغي أن تتذوق فيها معنى وقيمة الموت وأثره الوجداني كيف يكون أثناء الدقائق والتفاصيل اليومية.. فكانت (العزلة) عنده هي الشرط لهذا الشعور بالموت وبالتالي الشرط لتحقيق هذا النوع من الخلاص الوجداني، والعزلة هنا ليس بمقاطعة الناس وإنما بمخالطتهم والنظر إليهم والتعامل معهم من خلال جدار زجاجي ا يسمح لهم بالنفاذ إلى خاصة النفس.. فأن جماعة (جمعية الشعراء الموتى) كان يمتثلون هذا الشرط فينعزلون معاً في وقتهم المعلوم لتدول الأشعار في كهف بعيد..
يقول (المعري) صراحة:
ما أطيب الموت شرابه ... إن صح للأموات وشك التقاء
فإن التلذذ بالموت لا يكون عن وقت الاحتضار واستعداد الروح للخروج من البدن، بل يكون والإنسان في غمرة الحياة.. وعلى هذا الأساس للإنسان أن يتخلص من كراهية الموت كي يستشعر بذكر الدائم قيمة الحياة الشعورية الخالصة ويعبر عنها بالآداب والأشعار والفلسفة فإن سبب هذه الكراهية للموت هو سوء فهم الإنسان له إذ يضعه كنقيض للحياة (مثل الوجود والعدم) لا يجتمعان في آن معاً، فماذا لو وضعه كضد لها (مثل الأبيض والأسود) فهما حينئذ يجتمعان، فلذلك قال (المعري):
نحب العيش بغضاً للمنايا ... ونحن بما هوينا الأشقياء
فإن كراهية الموت عنده هي سبب حب الإنسان للحياة وليس أن حب الحياة هو سبب كراهية الموت.
وفي هذا الشأن لعلنا نجد أن اغلب شراح لزوميات (المعري) قد فهموا أن لزوم ما لا يلزم هو لقالب معين في النظم الشعري، ولكن من زاوية أخرى أن لزوم ما يلزم هو عند (المعري) يكون على مستوى فكرة الخلاص بالعزلة واستشعار الموت في ثنايا الحياة وهو ما يتفرد به صفوة من الناس دون العامة. وهذا ما يسمح لنا بالقول أن ملكة يجهلها كثير من الناس عندما يقرضون شعرا او يتداولونه، هم يظنون الملكة الوحيدة لتذوق الشعر هي ما اسموه (ملكة التذوق الوجداني) وأنه لا يصح في وصف ونقل هذه الملكة الى الاخرين إلا ما قد وصف به القديس (اوجاستين) صناعة الله للتاريخ (أن سبل الله لا يمكن سبر غورها) ومن ثم فليس من سبيل للناس الى فهم التاريخ على الحقيقة، فكذلك لا سبيل للناس الى فهم وجدان الشاعر وراء شعره، ولا ضامن لدي الشاعر انه قد ابلغ ما اراد بشعره الى وجدان الناس
ولكن تلك الملكة التي لا يعي أكثر الناس وجودها في ذواتهم عندما يقفون أمام الشعر إبداعا وتذوقا هي (ملكة التذوق المنطقي) هي نوع رفيع من المنطق ليس هو منطق قيم الصدق والكذب وانما المنطق القائم بالذوق. هذه الملكة تمكن الناس ليس فقط من لمس وجدانهم في الشعر وانما تمكن الناقد من النقد والفيلسوف من الفلسفة، وذلك بانها ترسم الصور الذهنية لمجريات الحياة، فيفهم الانسان ان للقصيد بيت له باب وحجرات وسقف وله مبتدئ ومنتهى وغاية وهدف وسبل يمكن سبر اغوارها