الجمعة، 31 مارس 2023

فلسفة الخلاص الشعري في دراما (جمعية الشعراء الموتى) ولزوميات (المعري)

 فلسفة الخلاص الشعري في دراما (جمعية الشعراء الموتى) ولزوميات (المعري) 

د. وائل أحمد خليل الكردي

(جمعية الشعراء الموتى) فيلم الدراما الانسانية من بطولة الممثل البارز الذي اشتهر بالكوميديا الإنسانية (روبين ويليامز) فكان هو المعلم في اكاديمية (ويلتون) الثانوية المحافظة الذي صحح الفكرة عن حقيقة الشعر وعدم جدوى محاكمة الشعراء.. كان ذلك في الستينات من القرن العشرين.. وفي اللحظة التي أمر فيها تلاميذه تمزيق مقدمة كتاب النقد للدكتور (بريتشارد) التي كانت تعد اقدس ما كتب في منهج النقد الشعري لدى الناطقين بالإنجليزية كان هذا اعلان لهم أن كل شيء يمكن تحليله ونقده على هيئة الرسوم البيانية وما فيها من


إحداثيات المحاور الحسابية افقياً ورأسياً إلا الشعر فهو لا يقاس بوصف الأشياء والوقائع من أجل أن يدركها الانسان كما يدرك المنطق والرياضيات، وإنما هو يقاس بما يجعل به الانسان يشعر بالحياة والاشياء والوقائع التي يعيشها ويتفاعل معها، وبما يجعل الانسان يلمس حقيقته الوجدانية فيشعر إلى أي مدى هو موجود في هذه الحياة وأي قيمة تعني هي له.

هناك، كان الاستاذ (كيتنج) يقول عن نفسه أنه القبطان وأن التلاميذ هم أبناء السفينة الذين يجب أن يعيشوا تجارب الشعر والشعراء على متنها.. الأستاذ (كيتنج) كان يؤمن أنه فقط في الأحلام يمكن للمرء أن يكون حراً كفاية، ولذلك عندما كان طالباً في الماضي بأكاديمية (دالتون) فقد أسس مع بعض من زملائه حينها جمعية شبه سرية أسموها (جمعية الشعراء الموتى) وفي ليال معلومة كان يجتمع أعضائها في الكهف الهندي القديم البعيد عن الأكاديمية ليحيوا هناك التجارب الشعرية للشعراء العظام الذين رحلوا قديماً وأيضاً ليمارسوا تجاربهم الشعرية الخاصة، كانوا هناك –على حد تعبير (كيتنج)- يسكبون الكلمات على السنتهم كأنها العسل من أجل أن يمتصوا بها جوهر الحياة.. ثم تلاشى الأمر، إلى أن أحيا تلاميذ الأستاذ (كيتنج) في الحاضر من جديد بعد أن ألهمهم معلمهم كيف ينظرون إلى العالم في كل مرة بنحو مختلف ومن زوايا متعددة وقد فعل هذا مثلاً عندما علهم كيف يمكن أن يقرؤوا (شكسبير) بغير تلك الطريقة المدرسية النمطية المتكلفة التي ارتسمت بنحو تقليدي في أذهانهم..

كل هذا هو ما يمكن أن يعطي دلالة أن (جمعية الشعراء الموتى) كانت دعوة للخلاص بالتخيل الشعري الحر من الإغراق في متطلبات العالم المادية والبهيمية، فلك أن تعيش كل الآمك ومسراتك واحزانك وأمالك بنحو شعوري وجداني خالص في غمرة الخيال الشعري في تجرد تام عن الوقائع والأحداث الفعلية في أيامك والتي تشدك إلى الأرض والتراب بعيداً عن روح الذات.. ولربما كان العمق الحقيقي لهذا النوع من الخلاص موجود عند (أبي العلاء المعري) كأسس في ديوانه الفلسفي (اللزوميات، أو لزوم ما لا يلزم) فيمكن تنسيب أفكار (جمعية الشعراء الموتى) إلى اللزوميات لدى (المعري) كانتساب الفرع إلى الأصل برغم الفارق الزمني والحضاري.. وديوان اللزوميات نفسه لديه أصل كبير في الفلسفة الأبيقورية الإغريقية –نسبة إلى مؤسسها (أبيقوروس)- من ناحية فكرة الخلاص للإنسان وهو على قيد الحياة في الدنيا باكتساب الطمأنينة السلبية –يصطلح لها في اليونانية بكلمة (اتراكسيا)- بفعل المجاهدة الأخلاقية والترقي نفسياً ووجدانياً بتذوق اللذات الروحانية.. وهكذا كانت دعوى (المعري) في لزومياته كأنما يقول لك أنك من أجل أن تعيش الحياة الحقيقية الخالصة فينبغي أن تتذوق فيها معنى وقيمة الموت وأثره الوجداني كيف يكون أثناء الدقائق والتفاصيل اليومية.. فكانت (العزلة) عنده هي الشرط لهذا الشعور بالموت وبالتالي الشرط لتحقيق هذا النوع من الخلاص الوجداني، والعزلة هنا ليس بمقاطعة الناس وإنما بمخالطتهم والنظر إليهم والتعامل معهم من خلال جدار زجاجي ا يسمح لهم بالنفاذ إلى خاصة النفس.. فأن جماعة (جمعية الشعراء الموتى) كان يمتثلون هذا الشرط فينعزلون معاً في وقتهم المعلوم لتدول الأشعار في كهف بعيد..

 يقول (المعري) صراحة:

ما أطيب الموت شرابه ... إن صح للأموات وشك التقاء

فإن التلذذ بالموت لا يكون عن وقت الاحتضار واستعداد الروح للخروج من البدن، بل يكون والإنسان في غمرة الحياة.. وعلى هذا الأساس للإنسان أن يتخلص من كراهية الموت كي يستشعر بذكر الدائم قيمة الحياة الشعورية الخالصة ويعبر عنها بالآداب والأشعار والفلسفة فإن سبب هذه الكراهية للموت هو سوء فهم الإنسان له إذ يضعه كنقيض للحياة (مثل الوجود والعدم) لا يجتمعان في آن معاً، فماذا لو وضعه كضد لها (مثل الأبيض والأسود) فهما حينئذ يجتمعان، فلذلك قال (المعري):

نحب العيش بغضاً للمنايا ... ونحن بما هوينا الأشقياء

فإن كراهية الموت عنده هي سبب حب الإنسان للحياة وليس أن حب الحياة هو سبب كراهية الموت. 

وفي هذا الشأن لعلنا نجد أن اغلب شراح لزوميات (المعري) قد فهموا أن لزوم ما لا يلزم هو لقالب معين في النظم الشعري، ولكن من زاوية أخرى أن لزوم ما يلزم هو عند (المعري) يكون على مستوى فكرة الخلاص بالعزلة واستشعار الموت في ثنايا الحياة وهو ما يتفرد به صفوة من الناس دون العامة. وهذا ما يسمح لنا بالقول أن ملكة يجهلها كثير من الناس عندما يقرضون شعرا او يتداولونه، هم يظنون الملكة الوحيدة لتذوق الشعر هي ما اسموه (ملكة التذوق الوجداني) وأنه لا يصح في وصف ونقل هذه الملكة الى الاخرين إلا ما قد وصف به القديس (اوجاستين) صناعة الله للتاريخ (أن سبل الله لا يمكن سبر غورها) ومن ثم فليس من سبيل للناس الى فهم التاريخ على الحقيقة، فكذلك لا سبيل للناس الى فهم وجدان الشاعر وراء شعره، ولا ضامن لدي الشاعر انه قد ابلغ ما اراد بشعره الى وجدان الناس  

ولكن تلك الملكة التي لا يعي أكثر الناس وجودها في ذواتهم عندما يقفون أمام الشعر إبداعا وتذوقا هي (ملكة التذوق المنطقي) هي نوع رفيع من المنطق ليس هو منطق قيم الصدق والكذب وانما المنطق القائم بالذوق. هذه الملكة تمكن الناس ليس فقط من لمس وجدانهم في الشعر وانما تمكن الناقد من النقد والفيلسوف من الفلسفة، وذلك بانها ترسم الصور الذهنية لمجريات الحياة، فيفهم الانسان ان للقصيد بيت له باب وحجرات وسقف وله مبتدئ ومنتهى وغاية وهدف وسبل يمكن سبر اغوارها

الاقليات وحقوق الأكثرية.. مونديال قطر

 الأقليات وحقوق الأكثرية.. مونديال قطر

د. وائل أحمد خليل الكردي



حتى ذلك الشاعر الأوروبي العظيم (جون ميلتون ) في فردوسه المفقود يقولها :

وجلس آخرون في عزلة على تل بعيد..

يطارحون أفكارا أسمى وآراء اعمق..

عن العناية الإلهية والعلم الأزلي والإرادة الحرة والقدر..

القدر الذي لا يحول والإرادة الحرة والعلم الأزلي المطلق..

فلم يهتدوا إلى شيء بل ضربوا في الشعاب فضلوا وما اهتدوا..

وايا كان ما يقصده الشاعر، فإن كلامه يوحي بالإيمان أن  لكل كائن أرضا ومجتمعا يخوض بين ضفتيه أفكاره، وأن لكل مقام مقال، وإلا فإن عزلة الأقلية بصلاحها وقيمها لن تثمر دون اقوام تروج بينهم تلك القيم ويقبلونها.. بغير هذا ستكون شعارات الحرية والإرادة والحقوق والواجبات، اقوال بلا افعال، وربما جنون زائف..

لقد تعودنا أن المهاجرين إلى أي مجتمع جديد كانوا دائماً هم الأقلية المقهورة المرغمة على الاتباع الصارم لنظم وقوانين وأعراف المجتمع الوافدين عليه، ولا خيار لهم.. ولكن التاريخ يقول غير ذلك أحياناً، فهو يقف هناك ليفاجئنا بشهادته على ما هنالك من الأقليات تجبرت على الأكثرية وطغت عليها وقهرتها وربما أبادتها عن بكرة أبيها.. التاريخ قال أن الأقليات البيضاء المهاجرة إلى الأراضي الجديدة منذ قرون خلت قد أبادت الأكثرية من الهنود الحمر المتوطنة على هذه الأراضي (أمريكا) وذلك لأنهم فعلاً كانوا أقلية ولكنهم كانوا ألأقوى وفي أيديهم سلاح مختلف قاتل.. وكذلك فعل الرجل الأبيض في غزو أفريقيا قديماً وجعل أعزة أهلها عبيداً لديهم، ثم اجتياحهم بلاد الشرق أعماق أفريقيا وأسيا بدعوى الاستعمار ولكنهم كانوا السلطة التي فرضت نفسها على هذه الشعوب برغم أنهم كانوا الأقليات..

والتاريخ أيضاً يشهد أن اضطهاد الأكثرية للأقليات يولد عند هؤلاء مطالبات على استحياء بحقوقهم وحرياتهم.. أما اضطهاد الأقليات للأكثرية يولد الثورة، تماماً كما قتل (غوردون) الغريب على شرفة قصره الملكي بيد أكثرية (الدراويش) من أهل السودان.. 

ولكن يبدو أنه كما تقوم بيوت الأزياء العالمية بصناعة موضات وصيحات في الملابس والعطور يتشدق بها فئة من الناس تشدقاً ثم يتركونها ليركضوا من جديد بنحو محموم وراء موضة أو صيحة جديدة، فكذلك انسحبت الموضات والصيحات على أمور الاجتماع والسياسة (والحديث هنا عن الأقليات الاجتماعية وليس السياسية).. وإحدى هذه الموضات الاجتماعية التي سادت في عصرنا الراهن بإفراط، موضة (حقوق الأقليات الفئوية) وصارت هي مجالاً للتلاعبات اللفظية وليس الواقع بقدر حقيقته وما يكون عليه.. فإن أي عاقل يعرف بداهة أن أي إنسان لابد أن ينال حقه في العيش والحياة والحرية، ولكن من وراء العقل أن نطالب بأن يعلوا حق لأقلية فئوية في سلوك معين على حق الأكثرية.. فإن الأقلية الفئوية هي دائماً ضيف في ديار الأكثرية وينبغي عليهم احترام حقوق الديار وحرماتها.. وهذا تماماً ما أرادته قطر من زوارها.

إن احتفالية كأس العالم لكرة القدم هي الأعظم كماً وكيفاً من أي احتفالية أخرى.. وبقدر اتساع كأس العالم هذا كان اتساع الزوبعة الإعلامية الداعية للإثبات اضطهاد قطر لحقوق الأقليات متمثلاً في رفضها لجماعات المثلية الجنسية أو من يدعون بمجتمع (الميم)، برغم العلم أن دولة قطر هي كأي دولة أخرى لديها هويتها الخاصة المتمثلة في أعرافها ونظمها وتقاليدها وما تربي عليه أبنائها جيلاً بعد جيل.. فأين إذن تكمن المشكلة؟ بالفعل إن الأقليات هم بشر لهم حق الحياة ولا خلاف على ذلك.. ولكن المشكلة تكمن في الدعاية والمجاهرة بغرض فرض وتعميم ما هو مخالف وشاذ لدى أقلية معينة على الأكثرية.. فماذا سيحدث لو حضر كل هؤلاء البشر الأقليات إلى قطر بصمت دون افصاح عن مكنون أنفسهم، أكانت قطر سوف تمنعهم؟ ومن أدرانا أن قطر الأن الان ليست ممتلئة بهؤلاء المثليين ممن وفدوا إليها من كل حدب وصوب لمناسبة كأس العالم ويمشون على أرضها أحراراً مطمئنين، فقط لأنهم ستروا عن خاصة أنفسهم ولم يصروا على الدعاية والمجاهرة بما يصادم هوية هذه الدولة المضيفة لهم.. إن المشكلة تكمن في أن جماعة مجتمع (الميم) يريدون وهم أقلية أن يفرضوا على اكثرية بلد غريب عنهم الخضوع لهم والاعتراف بهم علناً بإصرارهم على رفع شعاراتهم واعلامهم وعلاماتهم جهاراً على رؤوس الأشهاد، وهذا مناف تماماً لهوية دولة قطر وحقها كمضيف.. فالمنطق السليم يقول، لو أن الضيف كره ضيافة المضيف على شرطه فلن يجبره أحد على الحضور إلى دياره أصلاً.. ولكنه متى حضر فليلتزم.. لقد صدق رسول الله صل الله عليه وسلم أن قال (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) فيمكن لنا أن نفهم دلالة هذا القول على مستويين، مستوى متعلق بتثبيت الذنب على فاعله والمجاهر به من أمة المسلمين فيستحق العقاب على ذلك، ومستوى أخر هو بالقياس على الفكرة أن المجاهرة والدعاية هي السبيل المؤدي إلى أن تفرض الأقلية الفئوية نفسها عنوة على الأكثرية وبما يعارض حقوق هذه الأكثرية في حفظ هويتها وطرق حياتها.. وهكذا فإن مكمن الخطر هو في تلك الكلمة (الدعاية)، فيجب أن نحسب له حساباً وإلا فسوف يأتي الطوفان بفوضى لا يمكن تداركها.

هكذا ضاع الموتى.. في مجتمعات العزاء

 هكذا ضاع الموتى.. في مجتمعات العزاء

د. وائل أحمد خليل الكردي


(مات جاري أمس من الجوع.. وفي عزاءه ذبحوا كل الخراف)..

طالعنا (علي شريعتي) بهذا القول المخيف.. فكلنا جائع لحظة موته، ولكنه جوع إلى الدعاء بالرحمة.. إذ لا توجد لحظة يحتاج فيها الانسان إلى غيره بقدر وقت موته وانتقاله إلى حياة القبور بعد أن كان مستغنياً عن الناس منفرداً قائماً بنفسه وحدها.. ولكنه عند المبيت في القبر كأننا نسمعه يرجو من يقفون على حافته أن يقدموا له ما لم يعد يقدر أن يقدمه هو لذاته.. هي كلمات معدودات يدعون بها له بالمغفرة والرحمة ورضى الرب وهو الذي انقطع عمله إلا ما سلف عنده من صدقة أو علم أو ولد..

لن نعرف أبداً كيف تضيق اللحود بساكنيها إلا أن نسكنها.. لذلك ونحن ندفن ميتاً لا نعرف كيف هو لحده، كل ما نعرفه أنه الان قد مات وأن لي لنا وله إلا الدعاء وما يليه.. هذا هو حال من يموت، فكيف هو حال من الناس مع موته.. بكاء ثم سرد ذكرى ثم دق شادر وافتتاح ناد واضرام نيران وذبح ذبائح .. جميعنا يرى أن من طبائع الحياة الإنسانية أن يجتمع الناس ليسعدوا ويفرحوا بزفاف واحد منهم يتزوج، فكأنما هم بفرحهم هذا يدخلون المحتفى به إلى حياة جديدة أعلى وأرفع من حياته فرداً بل هو يذوق الأن معنى الحياة الحقيقية والتي فيها الأمل أن تمتد إلى عمر طويل، ولهذا فهم يفرحون ويطربون ويولمون بالذبائح وصنوف الطعام.. فما بالهم وهم يشيعون ميتاً خرج عندهم من الدنيا أيضاً بنصب الشوادر وذبح الذبائح، أتراهم فرحون بموته ويزفونه للخروج من الدنيا، أم تراهم يجدونها الفرصة لإثبات وجودهم وحضورهم لكونها محض عادات وتقاليد، أم تراهم لا يعلمون ويحسبون أنهم يحسنون صنعا.. وأياً كان الحال، فعقب مواراة الفقيد الثرى يرجع القوم إلى شادرهم للعزاء فيتحول المجلس ريعاً إلى ناد ومنتدى لتداول كل شيء إلا الدعاء للميت فلا يذكرونه في ذاك الخضم حينها إلا قليلا، هناك حيث تدور الأحاديث عن الدنيا والسياسة واحوال المجتمع واخبار الرياضة وأفعال الفاعلين وضرب الضاربين في الأرض.. ثم من بعد عناء النساء من خلف الأستار تأتيهم موائد الإفطار والغداء والعشاء مكدسة يأكلها القوم في مرهم هذا وهم المتخمين شبعاً في واقع معاشهم وبيوتهم، وإذا تسلل صبي من أبناء الشمس والشوارع جائعاً إلى شادرهم جذبته اليهم رائحة الطعام فربما اعطوه اليسير أو منعوه ومنهم من يحسبون أن أجر الله لهم بعد كل هذا، فأي أجر في هذا وأي فائدة يرجوها ميتهم الذي اجتمعوا لأجله.. أما كان الأجر في أن يدفعوا بكل هذه الطعوم والأموال التي انفقوها في إقامة العزاء لليال إلى فقراء ومساكين يرجون فقط ما يسد جوع يومهم فتكون لهم بذلك صدقة وعن ميتهم زكاة باسمه ينتفع بها بعد ان انقطع عمله.. لقد أرشد الرسول صحابته أن يصنعوا طعاما لآل الميت إذ جاءهم ما يشغلهم وليس أن يصنعوه لجمهور المعزي.. أما كان الأصح أن يصلي الناس على الميت ويدفنوه ثم يلبون حاجة أهله ثم يرحلون من فورهم ولا يكون في قلوبهم وعلى لسانهم إلا الدعاء للميت وليس الشغل بهٌم الدنيا وانتظار الطعام.. فالشاهد في واقعنا أن مجتمعات العزاء هذه ما هي إلا واجهات اجتماعية ومضارب للمظاهر، فغلمان يلعبون ونساء يصطنعن البكاء مع كل وافدة إليهم للعزاء ثم سرعان ما تعلو أحاديث وضحكات، وكثيرون يدفعهم الإتيان إلى مجتمعات العزاء في المقام الأول هو ظهورهم أمام الناس فيها فيثبتون له الواجب ويشكرون له الحضور ويقيسون عليه غياب من لم يحضرون.. 

هكذا تصير غالب مجتمعاتنا للعزاء في الموتى هماً اجتماعياً مظهرياً لمن هم أحياء وليس هماً إنسانياً وجدانياً خالصاً للميت، ولو أن الميت حبيب حقاً لذهلوا بموته عن الدنيا حين يأتي الخبر، فرثاء وبكاء حار وكثير كثير من الدعوات لله غفراناً ورحمة، ولا تخطر رغبة في طعام أو شراب واهتمام بمن جاء ومن لم يجيء.. ولكن هيهات، وللأسف

يوتوبيا الغائبين.. رؤية في فيلم (الصحوة)


يوتوبيا الغائبين.. رؤية في فيلم (الصحوة) د. وائل أحمد خليل الكردي (كان فصل الصيف رائعاً.. كان موسم الولادة من جديد والبراءة.. كان معجزة.. شعر بذلك خمسة عشر مريضاً، ونحن المشرفون أيضاً.. لكن الآن علينا التكيف مع حقائق المعجزات.. يمكننا إلقاء اللوم على العلم والقول أن الدواء لم يكن فعالاً أو أن الداء عاد من جديد أو أن المرضى عجزوا عن التأقلم مع خسارة العقود المنصرمة من حياتهم، في الحقيقة لا نعلم ما الخطأ الذي حدث بقدر ما نجهل ما كان الصحيح.. ما نعرفه هو أنه مع انغلاق النافذة الكيمياوية حدثت صحوة جديدة.. إن روح الإنسان أقوى من أي دواء، وهذا ما يجب تغذيته من خلال العمل واللعب والصداقة والعائلة.. هذه هي الأمور الأهم.. لقد نسينا أمرها.. أبسط الأمور).. تلك هي الكلمات التي ختم بها (روبين وليامز) R. Williams فيلم (الصحوة) Awakening والذي أدى فيه دور البطولة تحت شخصية (دكتور ساير) Dr. Sayer وشاركه في البطولة الرائع بحق (روبيرت دو نيرو) R. Deniro تحت شخصية (ليونارد)Leonard المريض النموذجي في تجربة العلاج.. وذلك حينما عين (د. ساير) طبيباً معالجاً في مستشفى الأمراض المزمنة في مقاطعة (برونكس) ليجد عالماً فريداً من البشر الأحياء الغائبين عن فاعلية الحياة لعقود طويلة من عمرهم نتيجة اصابتهم بمرض التصلب اللويحي ومتلازمة (توريت) ومرض (باركسون)، فظلوا طول فترتهم وراء جدران المستشفى لا يخرجون الى العالم الخارجي، منهم من غاب عن معايشة الحياة لأربعين سنة ومنهم ثلاثين ومنهم دون ذلك أو أكثر.. تحرك الطبيب (ساير) بالدافع الشعوري الإنساني نحوهم بتعاطف عميق كان سبباً في أن كرس نهاره وليله من أجل اكتشاف علاج لهؤلاء يعيدهم به إلى الحياة الواعية الواقعية من جديد إذ كان هو الوحيد من بين الأطباء من آمن بأن ذلك ممكن، وقد فعل.. وربما ليته ما فعل.. نحن كثيراً ما نضع معياراً للحقيقة والوجود والسعادة وفقاً لزماننا القريب وما عليه مقتضى الأمور في يومنا الراهن والذي بلغناه بتتابع السنوات المتصلة حين ننمو وتنمو معنا الحياة، إلى أن تشكلت خبراتنا التي نعالج بها ظروف عصرنا لكي نضع عليها تلك المعايير.. وكذلك كل الأفكار الحالمة بالمدن الفاضلة أو (اليوتوبيا) كانت لأجل تحقيق السعادة للإنسان حاضراً ومستقبلاً بحسب هذه المعايير التي وضعناها من واقع عصرنا وطرق حياتنا.. هكذا فعل (أفلاطون) في جمهوريته، وفعل (توماس مور) في يوتوبيا، وما أشار إليه الفارابي في آراء أهل المدينة الفاضلة، وغير ذلك من جهود وأفكار مختلفة.. ولكن كلها كانت تشترك في تصور ما ينبغي أن يكون ورسم المستقبل بناء على الحاضر، ولكن ماذا لو كانت هناك يوتوبيا أو مدن فاضلة شعوبها موجودة بيننا في زماننا وحاضرنا ولكنهم يعيشونها في زمانهم هم الخاص.. إذن، كان من الطبيعي أن يفكر الطبيب بمعايير يومه وخبرته السوية هو عندما قرر في شأن مراضاه أن الأصلح لهم هو إعادتهم مما هم فيه وتحريرهم من الأسر في الماضي ومن جدران المستشفى.. ولكن كانت الصدمة والدرس المستفاد في آن معاً عندما نجح الدواء وعاد الغائبون، ولكنهم عادوا بعقلياتهم ومشاعرهم القديمة وحدود خبراتهم التي توقفوا عندها يوم اصيبوا بالمرض وغادروا عليها منذ سنوات طوال، فمن هو بالسبعين عاد بروح وعقل وخبرة الشاب في العشرين حيث كان يومذاك.. هنا كان لابد أن ينشأ صراع نفسي كبير بين الماضي والحاضر الذي أتى فجأة في حياة هؤلاء، ثم ليتحول الصراع إلى نقمة وتمرد على الأطباء الذين وقع بظنهم أنهم يحولون بينهم وبين أن يمارسوا بحرية الحياة كما يعوها هم وليس كما يفرضها هذا الحاضر الغريب تماماً.. وكانت الأزمة لتتحول إلى كارثة حقيقية لولا أن أدركهم قدر الله بلطفه بأن الدواء لم يحسم المرض نهائياً وانما فقط كان ذا تأثير جزئي مؤقت، فكانت مجرد لحظات (صحوة) رجعوا بعدها تدريجياً إلى مرضهم بسلام ولتطمئن نفوسهم وتهدأ في عالمهم الخاص الذي ألفوه طويلاً.. فتلك هي مدينتهم الفاضلة التي لا مفر منها لكي يقضوا ما بقي لهم في العمر براحة بال وبغير هموم جسام، وكأن لسان حالهم يقول للطبيب عتاباً (لماذا اخرجتنا أول مرة؟ ولو كنا علمنا حال زمانكم ودنياكم لرفضنا دوائكم هذا قولاً واحداً) تماماً كما هو حال أهل الكهف في سورتهم بالقرآن الكريم عادوا إلى الموت بعد صحوهم في زمان غير زمانهم.. إن هذا الفيلم البديع هو قصة واقعة بالفعل في أخريات الستينات من القرن العشرين، وهو بهذا العرض الدرامي المتقن كان ينطلق من مقدمة منطقية أساسية هي (أن المدينة الفاضلة ليست دائما كما يرها الأسوياء، وأن حياة الحاضر ورؤية المستقبل تبعاُ لها ليست هي المعيار الأوحد للسعادة في هذه الحياة، فرب أقوام أخر لديهم حسابات مختلفة).. وهذه المقدمة المنطقية تضمنت ما يلي من قيم: أولاً- أن هناك نوع من الصحة أهم بكثير للإنسان من صحة العقل والجسد، هي صحة التوافق الروحي مع الحياة ولو برغم المرض، فيجب أن لا نستسلم في حال لم يوجد الدواء فأرواحنا وعزائم النفس أقوى من أي دواء.. وفي حال تمكن المرض لا محالة فنعيش الحياة في داخله بأرواحنا القوية.. ولنا في (المعري) ضرب مثل حين داهمه كف البصر في ريعان الصغر. وثانياً- هنالك حوار قصير دار بين أم المريض (ليونارد) والطبيب (ساير) عند اللقاء الأول.. وجدها تكلم ابنها كأنها تحاوره، فسألها (هل يتكلم معك يوماً؟) فأجابت (بالطبع لا.. ليس بالكلمات) فسألها (ماذا تعنين، هل يتكلم بطرق أخرى؟) فسألته عما إذا كان لديه أولاد فلما أجاب بالنفي قالت له (لو كان لديك لعلمت).. فلعل أكثر لغات التعبير عن الأحوال الإنسانية سطحية هي الكلمات، وأن هناك من اللغات ما هو أكثر عمقاً تُفهم ولا تُنطق تماماً كلغة الشعور والحدس الفطري بين الأم وابنها، والمغذى في هذا أننا يجب أن نتعلم استخدام مثل هذا اللغات فقد تكون فعاليتها في تحقيق الأثر أكبر مما نتصور.. وهذا ما يدعم بقوة المقدمة المنطقية للفيلم .